السيد محسن الأمين

13

أعيان الشيعة ( الملاحق )

والنقود التي تبلغ ثلاثة وعشرين ردا ونقدا ، أفرد بعضها بالطباعة على حدة ، وأدخل بعضها الآخر في كتب شتى للمؤلف ، وبقي بعضها منشورا في عدد من المجلات دون أن يجمع في كتب على حدة ، كذلك المفاخرات والقصص ، وهي عبارة عن روايات تمثيلية كتبها المؤلف لطلاب المدرسة العلوية في دمشق ، ومثلت على مسرح المدرسة . إن هذا التنوع والتداخل في مؤلفاته ، يجعل من رصدها الدقيق ، عملا حذرا وشاقا . فبعض هذه الكتابات ورد في أكثر من مؤلف أو طبع فيما بعد على حدة بعد أن كان قد ورد في ثنايا مؤلف آخر ، لا سيما بعض فصول أعيان الشيعة . وبعضها بقي منشورا في الصحف دون أن يضمه كتاب ، والبعض الآخر بقي مخطوطا كما أن بعض كتب السيد قد طبع بعد وفاته وقام بطبعها ولده وحافظ كتبه السيد حسن الأمين . كما أن هناك حلقات مفقودة من هذه المؤلفات « 1 » ومؤلفات أخرى أوقعت بعض الدارسين في الالتباس ، بسبب تداخلها . إن هذه المؤلفات الغزيرة ، قد طبعت ، أثناء حياته ، وبعد وفاته ، مرتين وثلاثا ، كما طبع بعضها أكثر من ثلاث طبعات . ويبدو لنا أن أثرا ضخما ومهما كاعيان الشيعة مثلا ، قد أصبح ضرورة لمكتبة كل عالم ديني أو تاريخي . وقد قال السيد الأمين عن نفسه ، في مجال غزارة التأليف : لو قسم ما كتبناه ، تسويدا وتبييضا ونسخا وغيرها على عمرنا لما نقص كل يوم عن كراس مع عدم المساعد والمعين غير الله تعالى . « 2 » ولا غرابة في ذلك ، فالرجل قد نذر حياته المديدة - « 3 » للتاليف والتصنيف ، فهو في هذا المجال ، صنو للعلامة المجلسي الذي قيل فيه : لو قسمت مؤلفاته على عمره لكان نصيب كل يوم كراس . وعد ذلك مبالغة ، مع أنه كان له من المساعدين والثروة ، ما ليس لنا منه شيء . « 4 » إن هذا النص الأميني الشاسع والمتداخل ، هو في الوقت ذاته ، شديد التنوع ، إلى درجة تثير العجب والاعجاب . فقد تناول الأمين بالكتابة ، بين عرض ونقد وتحليل ، حقلا متشعبا من المواضيع ، يمتد من السيرة إلى الأزجال . ألف في الرجال والتاريخ والحديث والمنطق وأصول الدين وأصول الفقه والفقه والنحو والصرف والبيان والأدب والرحلات . كما كتب الشعر والمفاخرات والقصص والأراجيز والمسرحيات والكتب المدرسية ، فضلا عن خوضه في مجادلات طويلة كانت حصيلتها سلسلة من الردود والنقود في الدين والتاريخ والشعر والاجتماع . . إلى آخره . إن هذا الجهد التأليفي الضخم يجعل من السيد محسن الأمين ، جديرا بلقب الكاتب أو الأديب بالمعنى الذي أورده الجاحظ عن الأدب أي الأخذ من كل علم بطرف . وهو في هذا المجال ، كاتب موسوعي وغزير الاطلاع ، غزير التأليف . . والسبب في ذلك هو أنه قضى عمره متعلما 13 ومعلما . ولعل في هذا الجهد التأليفي الضخم ، ما يناقض الرأي القائل بان السيد الأمين كان أخلاقيا يميل إلى العمل أكثر من ميله إلى النظر « 5 » أو أنه كان إصلاحيا عمليا لم تستهوه الأبحاث النظرية . « 6 » إلا إذا كان المقصود بذلك أن السيد لم يهتم بوضع نظرية تنظم أفكاره ومواقفه وآرائه . . وذلك صحيح . إن السيد محسن الأمين محقق جلود ، تغلب على آثاره ، صفة الاستقصاء والتحقيق فهو رحالة في سبيل العلم يتجشم أصعب المشاق في سبيل جمع المادة اللازمة لتأليفه ، وهو يذكرنا في هذا الباب ، بأكابر الرحالة الإسلاميين ، الذين قطعوا المسافات الطويلة ، سعيا وراء حديث أو خبر أو كتاب ، فقد قام برحلات عديدة إلى العراق وإيران ، بقصد البحث والتنقيب والتقميش ، لجمع مادة مؤلفه الموسوعي الضخم أعيان الشيعة وهو يذكر أنه كان يحمل معه في رحلته العراقية - الإيرانية ما كان قد جمعه من كتابه أعيان الشيعة التي تبلغ نحو تسعة مجلدات كبار وتملأ جعبة كبيرة . وقد استمرت هذه الرحلة الميمونة المباركة على حد تعبيره نحوا من أحد عشر شهرا نصفها في العراق ونصفها في إيران . كذلك ، لم يفته أثناء زيارته للحجاز ومصر ، أن يقصد المكتبات العامة والخاصة ويستفيد فيها ، من أية سانحة أو شاردة تساهم في جمع مادته أو تقميشها . وكان أبرز مكان يزوره في رحلاته العلمية ، المكتبات . فهو مثلا ، يذهب إلى مدينة قم في إيران ، حيث ينسخ منها ( ولنقل يغرف ) ما يسعه جلده الطويل وهدفه النبيل ، للتحقيق والمقابلة في كتاب منسوخ . وحين يزوره بعض من يريد السلام عليه ، يعتذر ويقول : إنني رجل مسافر ، وأوقاتي ثمينة ، وما جئت هذا البلد إلا لمقابلة هذا الكتاب وأمثال هذا لا شغل لي سوى ذلك . وقد قاسى المشاق الصعبة في طلب العلم معتبرا هذا العمل جزءا من الجهاد ، حسب المفهوم الإسلامي لذلك . يبقى أن السيد الأمين المحقق ، يتسم بصفتين أساسيتين : الأمانة العلمية في النقل ، والرصد الدقيق والمثير للظواهر والمواضيع التي يتناولها بقلمه . وهو ، في كل ذلك ، يبغي تحري الحقيقة ما أمكن ، على حدة تعبيره . إنه ، في باب الأمانة العلمية في النقل ، يورد الروايات المتعددة بأسانيدها المختلفة ، ويكتب انتهى عند نهاية كل إسناد ، « 7 » ولا يخلط بين كلامه أو نقاشه أو تعليقه على هذه الأسانيد ، والأسانيد بالذات ، بحيث يمكن اعتباره في هذا المجال ، منسجما مع التقليد الأكاديمي المنهجي المكرس في التحقيق أو التاريخ وهو راصد مثير ودقيق في استقصاءاته الموسوعية التي يوردها حين يتكلم على رجل يؤرخ له ، أو على عادة يرصدها ، أو قرية

--> ( 1 ) بعض المؤلفات يذكره السيد الأمين في الصفحة 99 من سيرته بقلمه وأقلام آخرين . . ولم يعثر لهذه المؤلفات على أثر ولا يعرف ابنه حسن الأمين عنها شيئا مثل : شرح إيساغوجي في المنطق ، والتقليد آفة العقول ، وحاشية القوانين في أصول الفقه . ( 2 ) الأمين ، محسن . سيرته بقلمه . . ص 98 ، 99 ، 100 ، 101 ، 102 . باب مؤلفاته . ( 3 ) يذكر انه ، وقد بلغ السادسة والثمانين من عمره ودق العظم وخارت القوى وتوالت الهموم والأمراض بقي مواظبا على التأليف والتصنيف ليلا ونهارا وعشية وأبكارا سفرا وحضرا . . تنظر الصفحات ذاتها من المؤلف السابق . ( 4 ) المؤلف السابق : الصفحات نفسها . ( 5 ) حسب تعبير هادي فضل الله في أطروحته محسن الأمين . مناحيه الفكرية ومواقفه الاصلاحية ، أطروحة دكتوراه حلقة ثالثة في الفلسفة أشرف عليها الدكتور جيرار جهامي . جامعة القديس يوسف - بيروت 1981 - ص 150 . ( 6 ) الأطروحة نفسها ص 38 . ( 7 ) انظر مثالا على ذلك كلامه على الروايات المتعددة في تسمية ( آبل الزيت ) في باب أسماء قرى جبل عامل وبلدانه مرتبة على حروف المعجم . حرف الألف . الأمين محسن . خطط جبل عامل ص 191 - 192 .